لن تنتعل جنا ابدا كعبا عاليا وتتبختر به امام صديقاتها...
ربما لن تقود جنا ابدا الدراجة كما تتمنى..
وربما لن ترقص ابدا على انغام اغنياتها المفضلة، بل تكتفي دوما بالاستماع والتفاعل.
جنا الجميلة تردد مع نجوى كرم بحبك ولع، ومع ملحم زين علواه ومع فارس كرم الاركيلة، ومع هيفا بابا فين وغيرها من اغنياتها المفضلة..
جنا رددت مؤخرا مع نانسي "يا بنات" وابكتني...
"يا بنات يا بنات يا بنات
اللي ما خلفش بنات
ما شبعش من الحنية
وما دقش الحلويات"
سمعتها جنا مرارا وتكرارا وانا اسمعها معها وابكي في كل مرة الى ان حفظتها وحفظها عبودي الصغير ايضا.
"الحنية" او الحنان هو دواء جنا. كل ما تطلبه هذه الطفلة العاجزة عن المشي والقادرة كثيرا على الحب، هو الاحضان والقبلات والغنج والاهتمام.
دقيقة حنية من بابا تجعلها فرحة اليوم باكمله، قبلة يطبعها وليد على خدها تجعلها تذكر اسمه لساعات، لعبة يشاركها بها عبدالله تجعلها المفضلة لديها لاسابيع، ساعة تحضنها فيها ماما وتنام تجعل الابتسامة لا تفارق محياها الجميل الليل بطوله، اغنية تغنيها معها تيتا وفاء تزيد من تعلقها بها ومكالمة صغيرة من خالتو هنادي تجعلها تنتظر بصبر نهاية الاسبوع حتى تراها.
كم الحب المقدم لها من تيتا ام اسامة تجعلها تطلب زيارتها كلما ركبت السيارة.
وكم الاهتمام الذي تناله من عمو بلال يجعلها تنتظر زيارته بفارغ الصبر.
وكم الحب المقدم من جدو عصام وتيتا زلفا وخالتو غنوة، يخفف عناء سفر الطائرة للقائهم والارتماء في حضنهم.
ربما جنا لن تمشي يوما، او تنال شهادة ما، او تجاري بنات عماتها شهد وسارة وبتول وتلعب معهن بالباربي والحلي، ولن تتزحلق يوما على الجليد مع وليد او تركل الكرة مع عبودي، لكنها دون شك ستوزع الحب والحنان وتكبر عليهما لتذكرني كل يوم ان عجزها رحمة وبراءتها محبة.
لا خيبات في حياتها، ولا احزان تذكر، تعيش في عالمها الخاص وتدخل اليه كل من احبها وبادلته الحب.
جنا تذكرني كل يوم انها ليست عاجزة كما اعتقد، بل العاجز هو الذي لا يقرأ عينيها وقلبها كلما منت عليه بحضنها.
من يومياتي مع وليد وعبدالله ملاحظات للامهات ساخرة احيانا وجادة احيانا اخرى ولكنها في كل الاحيان صادقة:
- الامومة ليست عفوية وسهلة، ولا في اية مرحلة! ابدا!
- لا تحلمي بقمصان المدرسة بيضاء لاكثر من ساعة الصباح الاولى!
- لن تتوقفي عن التقاط العاب وحاجيات ماداموا صاحين!
- خصصي للخادمة دوام في غرفة الصبيان!
- توقعي ان يرسم او يكتب على ملابسه وجسمه... والجدران!
- توقعي ان تدهشي كل يوم من حركة جديدة او عبارة جديدة او ابتكار جديد في الشغب!
- توقعي ان يعارض كل شيء تقولينه في سن الثانية وحتى الثالثة قبل ان يتعلم الاصغاء اليك.
- توقعي ان يرغب باكل طعامه بيديه حتى وان كان بيضا مقليا، لكن ذلك لا يعني ان تخضعي لرغبته.
- امنعيهم من دخول المطبخ بمفردهم دون رقابة.
- ستعرفين بالممارسة الفرق بين بكاء الالم وبكاء التمثيل!
- لا تمنعيه من اللعب بالرمل على الشاطئ بداعي النظافة والصحة.
- اجعلي وقت الاستحمام متعة حتى ولو طال.
- اذا رمى ابنك حذاءه من شباك السيارة ارمي الفردة الثانية خلف الاولى!
- ستقومين باعمال لم تتخيليها من قبل، برفقة ابنائك.
- اذا ردد ابن السابعة "اكرهك" لانك لم تنفذي له طلبا ما، لا تحزني ولا تصدقيه، بل توقعي قبلة ما قبل النوم!
- احب ان اجد العابهم من وقت لآخر في كافة غرف المنزل، دليل وجودهم القوي في حياتي واحتلال كل شبر فيها!
- من الطبيعي ان تجدي كدمات على اجسامهم كل يوم.
- لن تستطيعي حماية ابنك الى الابد، علميه الاتكال على نفسه.
- سيتفننون في احراجك امام الآخرين ، اعتادي ذلك!
- لا تصفي ابنك بصفات سيئة لانه مرآتك وسينفذ الامر نفسه من اخوانه الصغار!
- لا تغضبي امامهم والا سيتعلمون ان الغضب والتعبير الهستيري عنه امر مقبول، واذا كنت مثلي، ابحثي عن مساعدة!
- استمعي لقصصهم مرارا وتكرارا بانتباه جدي.
- لا تظهري انزعاجا من اكتشافاتهم الصغيرة واسئلتهم الكثيرة.
- العبي مع اطفالم من وقت لآخر لتصنعي لهم ذكريات جميلة، كوني الشرطي او الحرامي، المدرس او الطالب او الطبيب او الاخ الاصغر، كوني جون سينا او جاك سبارو او بن تن، كوني الحصان... لا حدود للخيال.
- لا تكذبي عليهم ابدا، ان اردت اخفاء معلومة ما حوريها.
- سيحبون اللعب بثيابك وشالاتك وهاتفك، وكذلك داخل صندوق وبملاقط الغسيل..
- اسألي طفلك عن يومه، كل يوم!
- يجب ان تعلمي ان اطفالك ليسوا الافضل بنظر كل من حولك!
- ربما لن تجدي كل يوم او كل اسبوع حتى وقتا مخصصا لنفسك، لا تيأسي، سيأتي الوقت.
- طبيعي ان تناولت اي طعام في اي وقت ان يرغبوا بالتذوق، اعملي حسابهم.
- ربما كان اسلوب امك في التربية افضل من اسلوبك لكن اتبعي حدسك ولا تفقدي الثقة بامومتك.
- اسمحي له ان يلعب بالماء احيانا، املأي وعاء في وسط الغرفة وحيكي حوله قصص الحيوانات والاسماك وليسبحوا جميعا!
- رائحة الرضع والاطفال رائعة، استمتعي بها!
بعد حوالي اسبوع من التزام عبودي في الحضانة، صار ولدا مشاغبا بشكل مباغت، لا يصدق. صار فنانا، في التخريب والعند والتحدي والصراخ! وما زلت لليوم ابحث عن السبب.
اصبح من الطبيعي ان اجد ثيابا لي في خزانة جنا وثياب جنا في خزانة بابا وهكذا.
اصبح من العادي ان اجد العابا في الثلاجة وطعاما في صناديق الالعاب.
اختفت بعض المفاتيح والالعاب.
اصبح مكب النفايات المفضل لديه - واعذروني- كرسي الحمام!
يقوم بالشغب ويهرب ويصرخ : ما تضلبيني! بتحبيني؟
يقرر فجأة اذا كان دون رقابة ان يحمم العابه المحشوة في البانيو او ان يحشوها داخل الغسالة ويعبئ مسحوق الغسيل في مكانه الصحيح ويديرها!
عادي ان تدخل الحمام لتجد سائل الاستحمام قد غطى الارض،او ان تجد قارورات الشامبو والبلسم وغيرها مغطاة بالبودرة، وان تجد احذية وجوارب على سطح الخزانة وان تدوس على شتى انواع الفواكه!
يرغب فقط بالتخريب وعلى وجهه نظرات مرحة طفولية ذكية تنتظر ردة الفعل فتارة اضحك وطورا استشيط غضبا واحيانا... ابكي! نعم للاسف يبدو اني بحاجة الى تعلم السيطرة على غضبي اكثر.
في لحظات قليلة يرمي وسادات الصالون على الارض كلها، ويحضر ما تيسر من وسادات غرف النوم والاغطية الى الصالون ايضا وربما بعض الاحذية والملابس. يعلم ما يغضب وليد فيستفزه الى ان يعيل صبر وليد ويطارده في البيت، حينها يفرح عبودي ايما فرح.
قد يكون مارا من امام المكتبة في البيت ويقرر رمي بعض الكتب، عادي. وان تدخل غرفته لتجد صناديق الالعاب كلها فارغة ولا مكان لتدوس او تحاول ترتيبها.
فان قرر عبدالله نقل الشوكولا والسكاكر من طبق الضيافة الى المزهرية، لاباس ان لم يكسرها، فقد يمضي بعض الوقت منهمكا بذلك ما يسمح لي بترتيب ما خرب قبلها، ولكن ما فعله مؤخرا وجعلني ابكي كان فوق قدرتي على تصور جموح خياله.
كنت قد جهزت طعام العشاء لزوجي: يخنة البازلاء،الارز، السلطة، المكدوس، البطاطس المقلية وبعض اطباق الزيتون والخضار والمكدوس. دخل اسامة وغير ملابسه وحين قرر الجلوس الى المائدة صرخ: ما هذا! اتيت مسرعة ويا لهول ما رايت: افرغ عبودي محتوى طبق اليخنة فوق كل الاطباق الاخرى، فوق الزيتون والمكدوس والسلطة والخضار والارز وكان للطاولة نصيبها ايضا. وبما ان اليوم كان عصيبا معه فقدت اعصابي في تلك اللحظة. صراخ وبكاء وركضت خلفه لاني اريد ان اضربه، يجب ان افهم لم فعل ذلك او ساصاب بالسكتة! حاول زوجي تهدئتي ومنعي من الاقتراب من عبودي الذي بدأ يهرب من غرفة الى اخرى خوفا من صراخي. ضربه اسامة لاني اصريت وبجنون، لكنه ندم وحزن كثيرا عليه، فقد غفا وهو يقول: عملتلي واوا؟
حتى الآن الامور مجرد تخريب لا اذى فيه الى ان قرر وضع المقص في الماكروويف واداره، وحتما كادت كارثة ان تحل.
حينها تم فصل كافة الاجهزة من الكهرباء واقفال جميع الابواب الا باب غرفته خلال وجوده في البيت. والمصيبة الاكبر انه يوزع الاحضان والقبلات يمنة ويسرة ويقول "بحبك" متى شاء، وامام خفة دمه وذكاءه لا يسعك الا ان تضمه وتقول: انا كمان بحبك! وتدعي له الله ان يحميه.
وليد طفل يهوى التحدي. علمته مرة ان لا شيء مستحيل مع الارادة وشرحت الفكرة من خلال امثلة مرتبطة بقصصه المفضلة وافلامه وبرقت عيناه حين فهمها. وشرحتها له من خلال شخصيته كذلك.
كان لا يزال في الرابعة من عمره تقريبا، حين هدده ابوه باستخدام الشطة على شفتيه ان تفوه بكلام بذيء (مجرد تهديد)، فقرر وليد تذوقها ليواجه الخوف منها. واذا به بعد تلك التجربة يأكل طعام "حرّيفا" حارّا مع الشطة ودون تردد ليواجه اباه يوما انه لا يخاف تهديده!
اذكر انه كان اصغر من ذلك حين كان يخاف من لعبة محشوة، كانت نمرا كبيرا جميلا صديق ويني الدبدوب، وضعتها على ظهر خزانه وليد، وكانت هدية من مستمعة وفية.
كانت امي تلاحظ ان وليد يخافها كثيرا خاصة وقت النوم وطالبتني بالتخلص منها. لكن خالتي جعلته يواجه هذا الرعب واعطته النمّور ليرعبه ويضربه وجعلت منه تدريجيا لعبته المفضلة وصديقه الذي يداعبه ويشاكسه ويقبله وينام الى جانبه، ولازال يحتفظ بها لليوم.
وليد يهوى التحدي ولا يستسلم بسهولة ابدا ولا يقتنع الا بالمنطق. سألني عن الكتابة باليد اليسرى ولم هي حرام؟ ضحكت كثيرا واستعلمت منه عمن قال انها حرام؟ فرد صديقي في المدرسة. اكدت له ان ذلك ليس عيبا ولا حرام وهذه معتقدات خاطئة لكن هناك من يستطيع الكتابة باليد اليمنى ومن يستطيع الكتابة باليد اليسرى حسب "كيف الله خلقنا" لان هذا التفسير اسهل عليه اليوم من عبارة "الجينات"! قال انا ارغب بالكتابة باليد اليسرى فهل هذا ممكنا؟ قلت ممكن مع التدريب لكنه صعب. واخبرته قصة عمي نجيب كيف انه تدرب على الكتابة باليد اليسرى حين كسر اليمنى في لعبة كرة السلة! واعجبت القصة وليد. تدرون ما فعل؟ تدرب على الكتابة باليد اليسرى حتى اتقن الرياضيات تقريبا! نعم وليد لا يعرف المستحيل.
قرر تسلق شجرة في حديقة فندق، لم امنعه لكني حذرته وانا ادعو الله ان يحميه، من انها مرتفعة ومنزلقة وصعبة التسلق، لكنه ظل يحاول الى ان اتقن تسلقها والقفز منها عدة مرات!
حاول تسلق الجدار المطاطي في الملاهي، خاف وتردد قليلا لكنه لما شاهد من هم اصغر منه يصلون القمة ويطلقون الجرس، قرر اطلاقه وفعل!
شاهد يوما رفاقه في البرج السكني يركبون "الرولر"، الاحذية ذات العجلات، فطلب شراء زوج له وتدرب عليها ليتقن الركوب في يوم واحد ما سهل عليه لاحقا التزلج على الجليد ليتقنه ايضا!
لم يرفض وليد تذوق انواع الطعام الجديدة بل انه يحب الغريب منها ويهوى البروكلي والخضار والفواكه على انواعها.
وليد طفل كريم يشارك العابه مع جميع اصدقائه في الصف وفي السكن.
وليد طفل ذكي جدا يسأل الكثير من الاسئلة وانا استمتع بالإجابة عليها واحاول قدر الامكان شرح الصورة الحقيقية الاقرب الى عقله.
وليد طفل حنون جدا خاصة مع اخوته فهو يعطي شقيقته جنا دواءها ويقبلها ويبكي احيانا لأنها لا تمشي، ورغم شغب عبدالله الصغير معه فهو لا يسمح لي بضربه ويحزن ويغضب كثيرا ان فعلت!
لا يوفر مناسبة للتعبير عن حبه بالحضن والقبلات لأننا في بيتنا نعبر عن الحب ونفخر به!
ذهب عبدالله الصغير اخيرا الى الحضانة، الاقرب الى البيت. وكنت اشعر في داخلي انه سيحبها وسيحب التفاعل مع الاطفال الآخرين بسرعة لكن ذلك لم يحدث تماما.
في اليوم الاول كما قرأتم سابقا كان ما كان. في اليوم الثاني كنت قد اتفقت مع الباص على ان يقله الى الحضانة صباحا. في السابعة والنصف كان ابني نائما فحملته واعطيته للمشرفة واقفلت باب الباص وهربت قبل ان يصحو ويبكي فأغير رأيي واعيده لفراشه وحضني.
وكنت اتصل كل عشر دقائق للاطمئنان عليه وكان الرد ايجابيا دائما انه نادرا ما يبكي بل انه يلعب ويحاول ان يتواصل مع الآخرين.
في الواحدة والنصف ظهرا ذهبت لإحضاره الى البيت، لم يبك لحظة رآني بل اسرع الي يقول: "ماما انا جيت هون تاني" ، فاستبشرت خيرا... في السيارة وفي الطريق الى البيت صار يسأل عن الحضانة وما فيها ويخبر ماذا فعل طوال اليوم ففرحت جدا وقلت في نفسي "الحمدلله"!
في اليوم الثالث صحا عبودي وانا البسه ثيابه معترضا ورافضا الذهاب الى الحضانة. شغلته بالايباد واخذنا نلاعبه انا وخالتي والخادمة ونزلنا الى بهو البرج في انتظار الباص. هو يرجوني الا يذهب الى الحضانة وانا احتال بالكلام لاني لا احب ابدا ان اكذب على اطفالي. فان قلت له حسنا لن تذهب فهو لن يذهب حتما. كان بودي حذرا لانه لم يستطع ان "يأخذ مني لا حق ولا باطل" يشعر في داخله دون شك اني اخبئ له امرا ما. ولحظة وصول الباص حملته وركضت الى الخارج وسلمته الى المشرفة وهو يبكي ويصرخ ويتشبث بثيابي ... كاد ينفطر قلبي ووددت لو اضمه الآن ونعود الى البيت نلعب ونضحك... لكن ذلك كلفني مع وليد 3 سنوات من البكاء صباحا اثناء الذهاب الى المدرسة، لانه لم يصمد لاكثر من ساعة في الحضانة بعد ان دفعت التكاليف كاملة، وكنت اقف خلف الباب انتظر ان يتوقف بكاؤه ولم يكن يتوقف فاقرع الباب بشدة واعيده معي الى البيت.
بالعودة الى عبودي، اكدت لي مشرفة الباص انه لم يبك الا لبضع دقائق وانه امضى يوما جيدا حتى انه تناول طعامه بالكامل. اعدته الى البيت ظهرا وانا استجوبه لاكتشف انه ليس رافضا تماما الذهاب لكن شرطه ان ابقى معه والا اتركه واذهب الى البيت...
منيت النفس ان يتغير الوضع في الايام القادمة. لكن في اليوم الرابع مرض عبودي وغاب 10 ايام متتالية... وعدنا الى نقطة الصفر.
بعد الكثير من الكر والفر والتأجيل تم تسجيل عبدالله الصغير في حضانة قريبة من البيت حتى يعتاد النظام كمقدمة لدخوله الى المدرسة في سبتمبر المقبل. قررت ماما اخيرا التغاضي عن رقة قلبها الشديدة تجاه صغيرها لانه بدأ يصبح الآمر الناهي في البيت، وهذه نتيجة حتمية للدلال المفرط . اذكر اني حين سجلت وليد في الحضانة، وكان يسميها كودودي اي Garderie، لم يلتزم لاكثر من بضع ساعات طوال الشهر، كنت اوصله واقف خارجا وان استمر في البكاء استمر بنفسي بقرع الباب الى ان يفتحوا لي لاحمله واهرب به الى اقرب مركز العاب، لانسيه صعوبة ورعب لحظات الفراق عني التي عاشها منذ قليل... اذكر ذلك واضحك كثيرا واندم في الوقت نفسه لاني لم" اقو قلبي " مع وليد وافرطت في حمايته وها انذا ادفع الثمن اليوم.
في اول يوم لعبدالله في الحضانة اوصلته بنفسي. رأى الالعاب من الخارج فاندفع الى الداخل ينظر الي بريبة فهو يعلم منذ اسبوع ان ثمة تغيير سيحصل في حياته اليوم وسوف يذهب الى المدرسة مثل اخيه الكبير هو يريد التمثل به وفي الوقت نفسه لا يرغب بترك ماما والبيت والرسوم المتحركة والآيباد والنوم ساعة يشاء. كانت نظرته غريبة اراها لاول مرة كانه واثق ومتردد، راض وغير راض، حذر وفي الوقت نفسه يرغب باللعب كالآخرين، ينظر الي وكله رغبة ان ابقى معه. اعطيت تعليماتي للمشرفة وانسحبت بهدوء. لكن لم ينته الموضوع هنا بل عدت بعد اقل من ساعة لارى المسؤولة سعيدة به يلعب مع غيره من الاطفال سعدت جدا وقررت الا يراني وانسحبت مجددا. لكني لم اتوقف عن الاتصال بهم كل نصف ساعة لارى ان كان يبكي او هل هو في انسجام مع المكان والآخرين.
مر اليوم بساعاته الطويلة من الثامنة والنصف صباحا حتى الثانية عشرة ظهرا. من المفترض ان اقله الى البيت بنفسي الساعة الواحدة والنصف، لكني لم استطع الانتظار لاضمه واطمئنه. كانت الفراشات تتطاير في معدتي والتوتر الشديد يعتريني.
لحظة دخولي الى الحضانة بادرتني المشرفات والمساعدات بسعادة انه تأقلم نوعا ما ولم يبك كثيرا... يعني انه بكى ولو قليلا! لكنه لم يذق طعامه ابدا بل كان يطلبني طوال الوقت. لحظة رآني كاد يغمى عليه ولم يعرف كيف يترك الالعاب ويركض نحوي او من اية بوابة صغيرة يخرج. انا فتحت البوابة بسرعة وكنت احمل له هدية وحلويات لكنه شدني الى المخرج بسرعة قائلا لا اريد هيا الى البيت. حملته وقبلته وركبنا السيارة الى البيت. في السيارة سألني:
- وين انا لوحت؟ (اي اين ذهبت انا؟)
- كنت في كيدز وورلد ماما. لعبت مع الاطفال؟
- ليس لوحتي وتلكتيني؟ ( اي لماذا ذهبت وتركتني حيدا؟)
- ماما انا ذهبت لاحضر لك الآيباد وساعة جديدة وبيضة كيندر
- ياااي ( وهذه صرخة الفرح لبودي) لكنه قالها بهدوء وذهنه في مكان آخر واكمل قائلا: "انتي لوحتي وتلكتيني وهني اخدونيييي وضلبونيييي وعذبونيييي في بناية تانييي"!
نعم خياله واسع جدا. صرت اضحك وبدأت اسأله عن الايجابيات في يومه لكنه لم يذكر منها شيئا. لم يذكر الا فراقنا الصعب.
اذكر عندما ذهبت الى المدرسة في اليوم الاول وكنت في KG2، كيف انني كنت خجلة من البكاء حتى لا تصرخ علي امي وهي تحاول ان تريني كل ما هو جميل من العاب والوان في الصف، وانا لا اذكر اليوم غير وجوههم هي وخالي وعمتي كيف ودعونا انا وابنائهم و"تلكونا لحالنااا"، والخوف الذي اعتصر قلبي يومها. اذكر ايضا لعبة واحدة من العاب الصف حتى اكون دقيقة. ظللت متعلقة بمعلمتي العام باكمله، ابكي ان غابت بكاء مرا وان تركت الصف لاي سبب وان دخل عليها احد ووقفت لتكلمه، ابكي نعم مخافة ان تتركني هي ايضا.
لكن لحظة الفراق المرعبة التي انطبعت في ذاكرتي ولا تزال بمشاعرها حتى اليوم هي يوم اجريت جراحة لاتئصال اللوزتين واخذني طبيب البنج من امي وكان شكله مرعب، او ربما لم يكن. حدثني وضرب ظاهر يدي ليجد المكان المناسب الذي سيدخل فيه الابرة ربما صرخ فيّ بصوت مرتفع ايضا لاني بكيت، ولذلك افضل دائما ان يدخل اطفالي غرفة العمليات وهم نائمون تماما.
بالعودة الى عبدالله. عدنا الى البيت واكل كما لم يأكل من قبل. وتمسك بالايباد ناسيا حزنه.
لحظة دخل اخوه من المدرسة ركض نحوه وصرخ: وليد وليد انا لوحت علمدرسة متلك!
اي ذهبت الى المدرسة مثلك. فرح وليد جدا وتمنى لو يغيب عن مدرسته يوما ليرافق عبودي الصغير الى حضانته وسأل بلهفة هل بكى؟ فقلت لا ليس كثيرا. فركض وليد الى عبودي وحمله وقبله فرحا.
ولحظة دخول بابا اسامة الى البيت ركض اليه عبدالله فرحا قائلا: انا لوحت عا سيكول وماما لاحت عالبيت زابتلي سوكولاته وانا ما كبيت! اي انه ذهب الى المدرسة وانا ذهبت الى البيت لاحضار الشوكولا وهو لم يبك!
لاحظت كيف انه اخبر كل شخص نسخة مختلفة من روايته حسب ميول المستمع. اي انه حاول تليين قلبي حتى لا يذهب مجددا الى الحضانة، واخبر وليد بما يجعله متشبها به واخبر والده بما يجعله فخورا به... ايه اذكى من مين!!!
اخبركم يوميات عبدالله في الحضانة لاحقا.
زهدت ماما بالدنيا وما فيها وصادقت ماكينة الخياطة القديمة مجددا بعد ان ساءت احوال عمل والدي جراء الحرب ومخلفاتها. وكانت ماما تجد الوقت لتخيط لنا ولزبوناتها اللواتي كن يتكاثرن يوما بعد يوم لان ماما مبدعة ولان ماما ملاك ولانهن يعشقنها.
ماما كانت تجد الوقت الكافي في جدولها المزدحم للاستيقاظ باكرا وتجهيز فطورنا الصباحي وطعام المدرسة المختلف كل يوم. كانت تعد مائدة الغداء كل يوم بنفسها على الطريقة اللبنانية "يعني مازة واطايب"، وتخبز ما لذ وطاب من الحلويات ايضا، وتقيم الدعوات وحفلات اعياد الميلاد، وتجهز المائدة بكل ما فيها بنفسها... نعم كانت تجد الوقت لكل ذلك.
وكانت بعد ان ننام تعود الى ماكينة الخياطة الى ان يغالبها النعاس. زلفا هي ام مثالية لنا، ولم يعلمها احد ذلك، لا جدتي ولا اية كتب او مجلات او برامج تلفزيونية او اذاعية.
كانت دوما بارعة في تعليمنا الصح من الخطأ.
تتوقعت ما سيحدث قبل حدوثه لانها حكيمة ولها بعد نظر وتحليل سليم للاحداث من حولها.
صادقتنا في رحلة تربيتنا وصادقت اصدقاءنا لتبقينا قريببين منها.
هي منظمة الى ابعد الحدود وقبل ان اتعرف الى افكار IKEA في التوضيب والترتيب كانت افكار زلفا سباقة بسنوات.
زلفا تعلمت الرسم والاشغال اليدوية وزينت بيتها وعلمتنا خلال الحرب لننسى الخوف ونتسلى.
مدبرة منزل خمس نجوم، تهتم بالتفاصيل. نظيفة ودقيقة، وكل ما تعتقد انها ستحتاجه يوما، تخبئه في مكان ما وتقول "بيت السبع ما بيخلى من العضام"! معها حق... واحتفظت بعظامها الى ان اصبحنا نراها كراكيب وتخلصنا منها عندما قررت ماما اعتزال حياتها العملية السابقة، حياة التعب.
لم تكن ترمي شيئا ذا فائدة ما. كانت بيئية من الدرجة الاولى قبل انتشار الوعي البيئي في المجتمع بسنوات طويلة. تعيد استخدام كل شيء ممكن وتعيد تدويره. فملاءات السرير القديمة تصبح غطاء الوسائد وبدورها محارم للمطبخ تستخدم طويلا قبل ان ترمى.
المناشف الكبيرة القديمة تصبح اصغر حجما لاستخدامات مختلفة قبل ان ترمى بدورها.
كانت تصنع لنا كل شيء! غطاء السرير الملون الذي لطالما احببته جمعته من عشرات قطع الاقمشة المختلفة التي لم تكن نافعة في شيء لوحدها لكنها شكلت لوحة فنية مبتكرة مجتمعة!
كنت اعترض احيانا على ابتكاراتها رغبة مني بشراء شيء جاهز من السوق، لكن ماما ادارية جدا ولا تسمح بصرف المال في غير مكانه خاصة وان الوضع الاقتصادي العام كان مترد وانها كانت تتعب جدا هي وابي للحصول على المال والمصاريف كانت كثيرة.
وماما في ذلك كانت محقة لذلك فان كل امنياتي الشرائية كانت مؤجلة.
فان اعجبتني اية ملابس في السوق، آخذ ماما لتراها وتخيط لي مثلها او احلى منها.
فقط الاحذية لم تصنعها ماما...
كانت تعرف الدواء لكل داء... تقريبا! وكانت خبيرة في سكب الرصاصة للوقاية من صيبة العين.. آمنت فيها كثيرا في سنوات تربيتنا.لم تكن فقط طبيبة وخياطة وطباخة ومربية و... بل كانت حلاقا ايضا تقص شعرنا افضل من اي حلاق وتقول ان التفصيل والخياطة ساعداها في اتقان "القص".
بيتها كان مفتوحا دوما لكنها في المقابل لم تلق بالا ابدا بالصبحيات اللبنانية الشهيرة ولم يستهوها فنجان القهوة ابدا.
كانت ترعى نباتاتها وعصافيرها كما ترعانا.
تحملت حماتها صعبة المراس لسنوات طويلة ولا تزال لانها تحب زوجها حبا جما ولانها لم تستطع خدمة امها وهي على فراش الموت.
لم تترك بيتها يوما لاي سبب من الاسباب..
وعندما بدأت عملي في الاذاعة كانت داعمي الاول وناقدي الاول ومسؤولة ارشيفي.
اشتاقها في كل لحظة، انا في الشارقة وهي في بيروت، واعلم انها تحمل همي وهم ابنتي في قلبها في كل لحظة ايضا. تصلي لنا، تضيء شموع قلبها وروحها وتتضرع للعذراء والرب في كل يوم وتسأل القديسين الشفاعة عل جنى تشفى.
وقت ماما المنظم جعل ايامها تتسع لكل تلك النشاطات التي كانت تتقنها جميعا.
حاولت ان تجعل منا عونا لها في البيت في مرحلة ما باغراءات مادية ايضا: خذوا المال انتم مقابل عملكم بدل ان تأخذه خادمة، ان لم تعملوا لن تنالوا مصروفا!
اتصدقون ان احدى ضيفات اوبرا وينفري عرضت هذه الفكرة في كتاب للتربية؟ الم اقل لكم ان ماما سابقة عصرها؟
خير الامور الوسط بالنسبة لها والباب اللي بيجيك منه ريح سدو واستريح واعمل عملك باتقان ولو كان سخرة! حكما اعتمدتها في حياتها الهنيئة لليوم.
اعترف ان صديقاتي وقريباتي حسدنني عليها واني لم اقدرها حق قدرها وانا في حضنها.
لكن عندما اجتاحت الامومة حياتي، اصبحت ماما زلفا بطلي الاوحد ومثلي الاعلى!